تأليف وكتابة ونشر الكتب العربية، والنشر الذاتي بشكل عام من المواضيع الغامضة بعض الشيء، ربما لأن النشر باللغة العربية بحد ذاته، وخصوصاً على المنصات الكبيرة، غير شائع.
هذه التدوينة فيها أفكار عامة عن تجربتي في كتابة ونشر كتاب مؤسسة من شخص واحد، حيث سأنقل هنا خلاصة هذه التجربة بشكل مختصر وبسيط، وعلى شكل فقرات قصيرة، دون تعمق أو تعقيد ولو كنت مهتماً بشكل أكبر بالنشر أو لديك أي استفسار عن ذلك، فسيسعدني المساعدة بذلك بشكل أكبر،
لماذا تكتب؟
نعم، ستكون هناك إجابات عديدة، وأسباب تسويقية أو تجارية قد تكون مرتبطة بالسمعة أو الشهرة وغيرها، لكن الحديث هنا عن المحرك الأساسي، والدافع أو المحفز الأكبر، والذي سيحدد أغلب النقاط القادمة ويعكس قدرتنا على الالتزام بالكتابة، والانتهاء، ثم النشر.
شخصياً، كان هدف الكتاب عندي قديماً، ومرتبطاً بنشر تجربتي وأفكاري، وما مررت به أو تعلمته وما زلت أتعلمه في مسيرتي المهنية. يلي ذلك هدف ذاتي مرتبط بوجود اسمي على غلاف كتاب في مكتبتي، تقرؤه ابنتي عندما تكبر.
موضوع الكتاب

قد يكون موضوع الكتاب عن أي شيء في هذا العالم، لكن من المهم برأيي أن يكون مرتبطاً بمجال نهتم به أو نحب الحديث عنه، ونملك فيه مخزوناً معرفياً وتجارب حقيقية، مع رغبة صادقة في التعبير والمشاركة.
شخصياً، كان لدي عدة مجالات مهتم بها: العمل الحر وما تعلمته فيه، التصميم والفن كممارسة وأفكار، وكذلك الشعارات والهويات التجارية من جانب تطبيقي مع تجارب وأمثلة، لكن حماسي كان يميل بشكل واضح للحديث عن المسيرة المهنية والعمل الحر، وهو ما توكلت على الله فيه.
البدء في الكتابة
بدأت التجربة ككل بكتابة أفكار للفقرات وأشياء أرغب بالحديث عنها، بعضها كنت مخططاً للكتابة عنه في مدونتي القديمة، وبعضها الآخر مرتبط بأحداث ومواقف، كلما حصلت معي أو تذكرتها كتبت عنواناً لها أو رؤوس أقلام عنها.
بعدها وضعت خطة كتابة يومية لأنهي كل يوم عنواناً من هذه العناوين، بالتالي أكتب كل شيء يخطر ببالي عنه، ودون تنسيق أو ترتيب، فقط تفريغ للأفكار، بعدها بدأت بجمع وترتيب كل هذه الفقرات والأفكار المتناثرة، ونقلتها إلى تطبيق Notion، وهكذا بعد أربعة أشهر تقريباً أصبح لدي أول مسودة بمحتوى أولي حقيقي.
التخطيط والتنسيق

المسودة الأولى كانت كثيفة وعشوائية، بدون تقسيم أو هيكلة واضحة، مجرد عناوين وأفكار متراكمة، لذا بدأت بهذه المرحلة بتنظيم المحتوى وتقسيمه إلى فصول، ثم توزيع الأفكار داخلها، ومع الوقت أصبح عندي هيكلية واضحة للمحتوى وما الذي يجب حذفه، تأجيله أو دمجه.
هذه المرحلة كانت الأصعب بالنسبة لي، فيها شعرت بثقل وحجم المسؤولية وانصدمت من فوضى الأفكار وشعوري بأن كل شيء عشوائي وغير مكتمل، لكن وفقني الله بتقسيمها إلى أجزاء صغيرة والعمل عليها واحدة تلو الأخرى مما سهل لي الوصول إلى محتوى أوضح وأكثر استقراراً.
استخدمت في الكتابة والتحرير تطبيق Pages الموجود على الماك، وهو بالنسبة لي تطبيق سهل، بسيط واضح، ويدعم العربية بشكل جيد، ومعه بنقل المسودات المرتبة من Notion إلى Pages، وخلال عملية النقل هذه كنت أعيد كتابة الفقرة وصياغتها وترتيبها.
موعد النشر
في هذه المرحلة حددت موعد النشر في بداية شهر 8، وقررت الالتزام به مهما كانت النتيجة وحتى لو سأضطر لحذف بعض الأجزاء غير المكتملة،وكان لدي سببان لذلك: المشاريع التي تمثل مصدر الدخل والتي لا يمكن تأجيلها أكثر، وخوفي من أن يعلق المشروع في دائرة التسويف وعدم الرضا.
والحقيقة أنني خلال كل المراحل لم أشارك أي أحد خبر أو شيء يخص الكتاب، أبقيت الأمر لنفسي لأن أي رأي قد يؤثر على حماسي من ناحية، ثم تركت كذلك هامشاً لإلغاء الفكرة لو غيرت رأيي لأي سبب.
اختيار عنوان الكتاب
كانت هذه المرحلة من أكثر المراحل التي انتظرتها، ومع ذلك تعمدت تأجيل التفكير فيها إلى ما بعد الانتهاء من المحتوى، لكن خلال مرحلة الكتابة، كان الاسم الداخلي للكتاب عندي هو “أنا مستقل”، لكن ورغم قربه مني ومن تجربتي ومدونتي السابقة شعرت أنه قد يظلم الكتاب بعض الشيء، بل وقد يظهر وكأنه مجرد تجميع لتدويناتي السابقة،
بالعموم وبعد تفكير وتجربة أسماء كثيرة، وصلت إلى اسم “مؤسسة من شخص واحد”، وكان الخيار الذي عشقته ولم أستطع تجاوزه أو إيجاد بديل أفضل عنه، وعليه توكلت على الله باعتماده.
تصميم غلاف الكتاب

هذه أيضاً كانت من المراحل التي انتظرتها، وتعمدت كذلك تأجيلها، وكان أمامي خياران لها: إما أن أوكل التصميم لشخص أثق به، حيث أنني سأجد صعوبة بالوصول إلى تصميم شخصي أقتنع به،
والخيار الثاني أن أعمل عليه بنفسي مع شرط واضح بعدم المبالغة في النماذج والتجارب، وعليه بدأت بذلك وكانت الفكرة أو الهدف من الغلاف أن يوصل شعور دفتر الملاحظات الشخصي، الذي قد تنتبه له بالصدفة على مكتب أحد أصدقائك "شيء يبدو طبيعياً وأقرب إلى مسودة أو مذكرة شخصية"
الرسومات داخل الكتاب
على الجانب الآخر، كنت أريد تضمين رسومات بسيطة وخفيفة ولطيفة لكل فقرة، وهي فكرة كنت حتى الأيام الأخيرة غير متأكد من إخراجها مع النسخة الأولى، لكن قمت بعمل لوحة أفكار خرجت منها بأسلوب معين في بالي. لكن وبناء على عدد الفقرات، كنت أحتاج إلى بناء 60–70 رسمة مختلفة، وهذا يحتاج إلى وقت من أي رسام مهما كان متفرغاً، وهو وقت لم أكن أملكه،
وبناء على ذلك ومع صعود نجم ChatGPT، أخذت أسبوعاً من الزمن، بمعدل عدة ساعات يومية، قمت خلالها ببناء أفكار الرسومات لكل فقرة، ومع تعديلات وترتيبات شخصية وصلت إلى شيء مقنع ويؤدي الغرض، واعتمدته.
الحصول على رقم ISBN
مع نيتي نشر الكتاب بشكل ذاتي على موقعي، كنت مهتماً بنشره على منصة أبل وأمازون كذلك، ورغم أن منصة أمازون توفر رقم ISBN مجاني، إلا أن الكتاب سينشر باسمهم، وهو أمر لم أحبه. وفي الوقت نفسه، كان الأمر مع أبل أعقد قليلاً،
بالتالي كان الحصول على ISBN أمراً أساسياً. ومع بحث سريع، وجدت العديد من المواقع التي تتيح شراءه، سواء كانت عربية أو أجنبية، لكن بما أن لدي شركة شخصية في رومانيا، ومع إتاحة دار النشر الحكومية هذه الخدمة بغض النظر عن لغة الكتاب، راسلتهم وأرسلوا لي متطلباتهم التي جهزتها وأرسلتها، ليصلني بعد عدة أيام الموافقة مع الرقم، وكان ذلك أكثر شيء حقيقي شعرت به في تلك الفترة.
تجهيز الكتاب للنشر

بعد الانتهاء من الكتاب ووصولي لمرحلة شعرت فيها بالرضا، بدأت التحضير للنشر، وكانت أول خطوة بعد الـ ISBN هي الحصول على حساب ناشر على أبل وأمازون.
منصة أبل طلبت مني رقم تسجيل الشركة ومعلومات منوعة، قمت بتوفيرها ودخلت مرحلة المراجعة. وبعد عدة أيام وصلني طلب إضافي مرتبط بالضرائب وتوقيع، قمت بتوفيره وإرساله، وحصلت بعدها على الموافقة. وفي أمازون كان الأمر أسهل، مجرد نموذج قمت بتعبئته وتوفير المتطلبات، وأرسلته، وحصلت على الموافقة خلال 24 ساعة.
هناك منصات أخرى، مثل جوجل وKobo وغيرها، لكنها بالنسبة لي لم تكن مجدية، ولا تملك جمهوراً عربياً كبيراً، لذلك قررت استبعادها لتخفيف التشتيت، والاعتماد على موقعي بشكل أساسي، وأبل، ثم أمازون، طمعاً بالنسخة المطبوعة، وسنأتي لذلك بعد قليل.
قراء النسخة الأولية
بعد انتهاء الكتاب، قمت بتحضير نسخة مختصرة تضم الفهرس والأسلوب العام له، وأرسلت هذه النسخة لبعض الأصدقاء ومن يهمني رأيهم،وكانت من أكثر الخطوات حماساً وثقلاً،
حيث أنني شعرت فيها بثقل المشاركة من ناحية، ومن ناحية ثانية هي أول لحظة يصبح فيها الأمر واقعياً وليس داخل رأسي فقط، لكن ردود الفعل والدعم الذي حصلت عليه كان صعب الوصف والتعبير.
الموقع الإلكتروني

قمت ببناء صفحة خاصة للكتاب داخل موقعي الشخصي 80، والحقيقة أنني وقتها كنت محتاراً بين إنشاء موقع خاص للكتاب أو إضافته إلى موقعي نفسه، لكنني تمسكت بفكرة تخفيف تشتيت المواقع والمنصات ومضيت بذلك.
أخذت وقتاً في بناء هيكلة الصفحة لإيصال فكرة الكتاب دون مبالغة أو تسويق ممل، وفي الوقت نفسه حتى يعرف المشتري ما الذي سيحصل عليه بوضوح. ثم وضعت نسخة مجانية مصغرة، بحيث يتأكد الشخص أن أسلوب الكتابة مناسب له ومريح، والحقيقة أنني بذلك وصلت إلى شيء متوازن يحقق ما أريده بطريقة جميلة وبسيطة.
النشر و إطلاق الكتاب
النشر على أبل بعد الموافقة كان بسيطاً، خصوصاً أن الكتاب موجود أصلاً على تطبيق Pages، فمن داخل التطبيق نفسه تقوم بعمل مزامنة لحساب الناشر الخاص بك وتضغط نشر، ثم يدخل للمراجعة، والحقيقة أنها كانت عملية سلسة ولطيفة، ولم أواجه أي رفض أو تعديل من طرفهم.
أما بخصوص أمازون، فبعد حصولي على موافقة النشر دخلت لأقوم برفعه، ولاحظت أن صيغة EPUB لرفع الكتب الإلكترونية غير مدعومة للكتب العربية، والصيغة المطلوبة هي Word من Microsoft Office، وعليه قمت بإعادة نقل الكتاب إلى Word وتحريره، ثم تصديره ورفعه إلى منصتهم.
ومع هذه الخطوة ظهرت مشاكل كثيرة، منها الفهرس الذي لا يعمل، والصفحات التي يختلف ترتيبها داخل الكتاب دون سبب واضح، وغيرها. وبالعموم وصلت لأقرب نسخة ممكنة، وقمت بنشرها على أمازون.
أول عملية بيع للكتاب

بعد إنهاء الكتاب ونشره الفعلي، وقبل أن أخبر العالم بذلك، أرسلت لقراء النسخة المصغرة نسخة كاملة شخصية، ونشرت بعدها فيديو فتح النسخة المطبوعة التي تزامنت بشكل حقيقي مع استلامي لها، وأعلنت عن الكتاب. وبدأت مع هذا الأمر ترتفع دقات القلب، لتتوقف لثوانٍ بسيطة مع أول عملية شراء تصلني على أمازون، وبعدها على أبل ثم على ثمانين.
والحقيقة أن هذه التجربة أعادت لي كل الذكريات القديمة في بدايات منصة بيكاليكا وعمليات الشراء التي كانت تصل فيها، بل وفعلت عندي شعور جديد حيث كنت أشعر أنني أريد أن أتحدث مع كل مشتري وأتأكد من رضاه عن الكتاب وإعجابه به.
النسخة المطبوعة
النسخة المطبوعة على أمازون من أكثر الأشياء التي كنت أنتظرها في الكتاب، لكنها كانت الخطوة الأصعب والأكثر استهلاكاً للروح والنفس والزمن. حيث عليك أن تتعامل مع منصة وسيطة يعتمدها أمازون للطباعة والنشر، وقمت بذلك مع موقع Lulu، وبسبب أن منصتهم لا تدعم العربية كذلك، ستحتاج أن تهيئ الكتاب بشكل معاكس "الصفحة الأولى تصبح الأخيرة وبالعكس"، وكذلك الأمر بما يخص الغلاف.
بالعموم، بعد الوصول إلى نسخة تحقق ذلك ستحتاج أن تطبعها وتستلمها وتؤكد عليها، ثم يرسلونها بدورهم إلى أمازون وبعض دور النشر، وهذا الأمر أخذ وقتاً طويلاً، لكن بعد خمسة أشهر وصلتني الموافقة، وأصبح منشوراً بشكل مطبوع على أمازون.
القيمة الحقيقية للكتاب
قد يهيأ للبعض أن تأليف كتاب ونشره عملية تجارية تهدف لتنويع مصادر الدخل، والحقيقة أنه بالتأكيد مصدر دخل، خصوصاً لعمليات الشراء المرتبطة بموقعك الشخصي، والتي نسبتها تكون أكبر من المنصات،لكن الحقيقة أن القيمة الحقيقية هي في المعنى ..
معنى أن تبيع كتاباً من تأليفك. حيث أنني، وفي مسيرتي، جربت وسائل دخل منوعة “عملاء، مشاريع، منتجات رقمية وملموسة وغيرها”، لكن كل عملية بيع للكتاب، حتى هذا اليوم، لها شعور أقوى وأعمق بمراحل،وفي الوقت نفسه، هناك مسؤولية أكبر تظهر معها، حيث ورغم أنني مدون منذ سنوات، إلا أن تحويل كلماتك وما تكتبه إلى مادة يتم الدفع لها فيه شعور أكبر بالمسؤولية.
لو كنت مكانك
سأبدأ من اليوم بالكتابة عن شيء أحبه وأرغب بمشاركته والتعبير عنه، وصدقني الأمر ليس بذلك التعقيد، الخطوة الأولى ربما هي الأصعب، وليس بالضرورة أن يكون كتاباً من مئات الصفحات، ربما كتيب صغير تشارك فيه ما لديك مع العالم، حيث إن القيمة التي شعرت بها أتمنى أن يشعر بها كل شخص محب لما يقوم به.
حيث إن هذه التجربة كانت بالنسبة لي مختلفة عن أي شيء آخر، حققت معها أحد أحلامي وأهدافي، وخرجت منها بأغلى منتج شخصي على قلبي ربما، ومعها نجحت أيضاً في بناء روتين يومي لم ألتزم بمثله منذ أيام الدراسة، وكان هذا الالتزام اليومي في الكتابة من أجمل العادات التي أثرت على توازني النفسي بشكل واضح في تلك الفترة، والأهم من كل ذلك أنها أعادت لي شغف الكتابة بشكل أكبر.